أ كان آذان الفجر؟ ..

لم أكن متأكدا من ذلك, لكن ما كان ليوقظني صوت صافرات الانذار ... فهو ليس بغريب عنا, أكاد اجزم انه خط بضجيجه في سجل عائلتي , أصبح موسيقى روتينية في الحارة... كل صبح كل صبح مشؤم لطيلة شهر كامل .. حتى اعتدناه ... صادقت طبول أذني أبواقه, لم أعد أنفر منه..

إنما صبح ذلك اليوم أيقظني اذان الفجر، صوت به بحة و غمغمة ..صوت فتي.. لعله شخص اخر .. لم يكن صوت الشيخ محمود ..

أيمكن أين يكون رحل عن حارتنا، أتُراه لجأ لضيعة أخرى ( كنت قد سمعت أنه ينوي رحيلاً) لكن القصف لم يكن بحدته ..لم يكن كما ظن الجميع .. لم يستعمل الغزاة ذخيرة ثقيلة .. يا للسخرية ! حتى جارنا المسيحي بطرس لم يبرح ساكنه و قد عرف انه يخشى حتى مفرقعات المناسبات و طلق البارود بالافراح.

شحت بنظري خلال نافذتي، نافذة لا شكل لها خلفتها احدى القذائف قبل ستة أشهر، أنظر لصومعة المسجد المهترء.

سبقتني خُطاي قبل أبي للحمام .. توضئت بآخر ما تبقى من الماء, و هدرت نصفه .. أتذكر أن آخر ما سمعت من والدي كانت كلمات تخرج من رجل فقد كل شيئ حتى رغبته في الضحك:

(.. لم تقم يوم لصلاة الفجر .. أجاءك جبريل أم طيف امك! , لم تُحبب يوماً توانيك عن الصلاة ! ..قال كل ذلك بإزدراء و خرج ...لم يقفل الباب بقوة كعادته لأنه لم يعد لنا ذلك الباب الذي كان لوحة معرض فنية لأختي الصغيرة أسماء.

أسماء نائمة .. و قد فُك رباط شعرها الطويل .. لم أُتقن وثاقه كمت اعتادت أمي أن تفعل.

كانت آخر مرة أراها ..آخر مرة . يا الله كم تشبهك يا أماه، ستكبر و تغدو مثلما كنت , كلما رأيت وجه أختي صغرت همومي , ولم أدرك يومها بأنها كانت أخر مرة...

أنزل عبر السلالم .. المسجد ليس ببعيد من رُكام بيتي .. شارعنا خالٍ .. فقط كبار شيوخ الحارة يقصدون المسجد ايضا ..

لم يكن الشيخ محمود موجود , استخلفه البواب بالإمامة ..

بُعيد الصلاة أخبرنا البواب حسن أن الشيخ محمود لم يعد ليلة الجمعة الغابرة ..

[ أتذكر الآن أني قابلته يومها , مر بجانبنا كنت مع اولاد الحارة نلعب النرد.

وأنا اجزم أنه سيلقي درسا اخر عن الوقت و لعبة النرد .. تمتمتُ و نفسي حتى قبل أن ينبس بكلمة ( بالله عليك يا شيخ محمود أي وقت ... و أي ارض ... و أي مصير .. و أي قضية .... حتى طاولة النرد تُحّرم .. حُرمنا من أرضنا .. أنفسنا.. تيننا ..و هويتنا ..و قد تنازلت حتى عن عروبتي وزيف أصحابها، لا أملك شيئا سوى أبي .. أسماء .. رُكام بيتي .و قطعة النرد هذه ..)

الغريب أن الشيخ محمود لم يفت شيئا كعادته , فقط إبتسم , إبتسم فقط .. و رفع ستار صمته قائلاً : ( خمسون عاما ... لم أرى ضحكة كالتي تعلو وجوهكم .. صافرات الانذار و ضحكاتكم لا شيئ يقف ضدها حتى الصافرات هذه لا تخيفكم .. اللهمّ زد بأعمارهم.. اللهم زد بأعمارهم ..) و استمر بقول ذلك حتى تلاشى صوته كما كان هو يتوارى عن الأنظار، يداه خلفه و يمسك مسبحة فضية. ]

  • السلام عليكم و رحمة الله ....السلام عليكم و رحمة الله *

ترفع الأيادي الآن للدعاء بعد ختم الصلاة.

  • اللهم يا رب العرش العظيم ثبـــ !!!! قصف .. غبار .. صراخ .. دمار و اناس تجري وكأنما قول ربي و ترى الناس سكارى و ما هم بسكارى واقع و حق .

قلبي سيفر مني .. أحاول صنع مخرج لي بين الحشد: يا الله أسماء ... أسماء يا رب .. يا الله أسماء ..

أجري نحو ركام بيتي .. لكن ركام بيتي أصبح كحقل القمح بعد موسم الحصاد،

أقلب و أحفر بيداي ركامي الذي اصبح ركام اخر..... ها هي ذي اسماء!! .. زُيّن وجهها بلون أحمر قرمزي و ابتسامتها عرس ثائر هاهي أسماء و هي لم تطهر جراحها بعد ... أسماء أمي الصغيرة

نسف المبنى عن بكرة أبيه .. كنت حينها قد فقدت مصداقية عقلي ..احظن جزء من اختي ..لكن لا دمع بعيني.

لم استصغ رثاء أختي .. حتى يقابلني الآخر .. رثاء أبي

لم ابك أسماء بعدل حتي تزاحم حزني جثة أبي هي الاخرى ... يحمله شباب الثورة أن لا اله إلا الله محمد رسول الله .. لم أنه حزني لأسماء .. و أسأل أشلاء أبي، لم الأنانية يا أبتاه؟ كلٌ بحزنه.. كلٌ برثاءه.. و كلٌ بدوره.

اشتقت لرحم أمي

كانت تسعة أشهر.. تسعة أشهر من الرطم المتكرر .. تسعة أشهر. من أرق الليل. تحاول بشغف أن تخرج للعالم أن تأخد أول جرعة أكسجين لك.. تصرخ صرخة الحرية .. وحتى بخروجك شقاء مضن... ها انت هنا الآن تلامس أرض الواقع .... شقي أنت ام غير ذلك ....

تعلو الضحكات لأولى لكلماتك ... و الغبطة لأولى خطواتك ... ركض .. لعب ..و مشاوير عدة ... رفض.. غضب.. خلاف ..و كذا و ذاك

و خلال نصف عمرك أو جله بالأحرى تحاول الرجوع نادما.

#Souleyman_Sandid