حسناً، انا بخير هذه الأيام، ليس إلى حد كبير، لكنني أجرب مساحة جديدة من الوجود، أسكن مع رفيق جيد إلى حدٍ كبير، كان لدي رفيق آخر قبله لكن لم نكن على وفاق، كان البيت مجرد مكان اتواجد فيه ساعة النوم، الان اصبحت اشعر بالإنتماء أكثر، تنمو الذكريات فيه كشجرة خضراء رقيقة وهشة، رغم غلاء المعيشة المتزايد يوماً بعد يوم في القاهرة تنمو.

اسكن في وسط البلد، بجوار ميدان التحرير، اشعر بالتروما كلما مررت بجواره، لكن امر في صمت كل مرة، احمل خجلي الذي يتساقط كدمائهم التي سقطت هنا، احمله واتساقط في الشوارع الجانبية حتى أصل لباب عمارتي، يخبرني البواب إن زجاج المدخل محطم منذ أيام الثورة، جدران البلكون المحترقة بفعل قنبلة ما، تطاردك الأشياء دائماً مهما حاولت أن تتجاهلها

اعتدت العمل لساعات طويلة مؤخراً، لا جديد يحدث سوى العمل، كيف حالك؟ اعمل، ماذا تفعل هذا الأسبوع؟ المزيد من العمل، كيف تعيش؟ اعمل لأعيش، واعيش لأعمل، حقاً بت أكره كل هذا، لكني أيضاً لا أمتلك الرغبة الكافية لتغييره.

مثلاً ركبنا سخان الماء والغسالة، كنت أقوم بالغسيل على يدي كنانسي عجرم في اول كليباتها، اه انا لست أقل منها في الحسن على الإطلاق عندما أفعل ذلك، فقط هي فعلته امام الكاميرا. بدأنا في فرش الأرضِ العارية، الشهر الأول مثلاً ثقب ميزانيتي بدرجة كبيرة، اشعر أنني أصبحت مبذراً بشكل كبير، ورغم ذلك لم يوجد في البيت أي شيء غير أساسي ومهم، كلها أشياء ضرورية، الأشياء الضرورية مكلفة، بتُ أشعر بآلام أمي أكثر.

أنت تعرف من يكرهك من نظرة عينيه، من ينوي لك الشر، من يحبك، عيونها مثلاً كانت تحبني بجنون، بإمكانك أن تعرف كل ذلك من عينيها، الصبُ تفضحه عيونه، هكذا كان يكرر مدرس العربي كلما رآني في الثانوية.

تنتهي السنة، كعادة من قبلها، لكني هنا أكثر إحساساً بما مضى، أصبحت أدرك بشكلٍ أكبر المسافة التي هربت مني عندما كنت في الكهف، تنقشع الأشياء بشكل أكثر حدة مع الوقت، تدرك تفاهتك وغباءك، تدرك أشياء كثيرة مع الوقت، لكن بعد فواته أحياناً.

أتجرع البعد عن المنزل كهشام عندما تناول البيرة لأول مرة، لحسن الحظ كان جائعاً ولم تكن بطنه ممتلئة، لذا لم يتقيء كثيراً، انا أيضاً جربت الخروج من المنزل مرة قبل ذلك، كانت تجربة أقل من هذه قليلاً، لكنها تجربة.

الموسيقى تفعل كل شيء، تقول لك كل الكلام، بدون كلام، تكتب، ترقص، تمارس الحب، برقة وعنف وعلى إستحياء.

ماذا أملك من أمنيات للقادم؟ ماذا أملك من خطط؟ لا شيء سوى السعادة، خطط السعادة يجب أن تتجاوز قليلاً حواجز سجائر الحشيش وبرجر بافلو وبيتزا تحمل كل الصلصة والصوص الذي بإمكان عجينتها أن تتحملها، حتى شفتيها التي لا تكف عن تقبيلي، كل الأشياء التي يمكن تحقيقها بسهولة، أهمها الخروج من المكان الذي اعتدت البقاء فيه طويلاً.

أحاول الحديث عن شيء آخر بجانب العمل والدراسة، لكني أفشل في ذلك ذريعاً، أدرك ان رأسي غير منشغل بغير هذه الأشياء هذه الأيام وأن علي توسيع اهتماماتي، أركز إهتمامي مجدداً على شفتيها قائلاً، الشتا بيخلي الناس حلوين كده ليه، تضحك في خجل.

احب الموسيقى الفرنسية، شيء ما في تلك الكلمات الشبه مفهومة، أهديها أغنية ومحاولاً الحديث عن أشياء تهتم بها هي غالباً، لكنها تتجاهل كل ذلك وتحملق في كأنها تراني لأول مرة، عيونها كانت تتسلل إلى روحي برغم كل الحواجز، كلص يحمل مسدساً لا تستطيع مقاومته، كانت تحمل ضحكاتها الطفولية سارقة جنبات روحي.

تحب الموسيقى، الكلاسيكية تحديداً، تحفظ تاريخها عن ظهر قلب، من عزفها ومتى، أجمل المعزوفات، قد تقضي طوال الليل تستمع للواحدة تلو الأخرى دون كلل أو ملل، تطبخ لي أثناء ذلك شوربة لا أعلم عن مكوناتها شيئاً سوى لذتها، وعن كونها صنعت ببالغ الحب والموسيقى.

بكت بجواري ونحن نشاهد الفيلم، لم نشاهد فيلماً عندما كنا سوياً على الإطلاق، الان هي متزوجة من رجل آخر، وتجلس بجواري لنشاهد فيلماً يتحدث أيضاً عن حبيبين، تزوج كل منهما شخصاً آخر، تلتقي الحقيقة بالخيال، أدرك أنها تبكي وأنظر إليها لتحاول الضحك في وجهي، هل كانت تحبني حقاً؟ ام انها مجرد لحظات ندم عابرة؟

قالت لي يوم زواجها في سكرة أنها لا تعرف ماذا تفعل هنا، وأنه كان من الأولى أن تتزوجني، ضحكت بغصة في الصدر يومها، كان من الأولى أن تحدث أشياء كثيرة.

أنت تحب كثيراً من الفتيات يا عُبد، تضحك وهي تقول لي ذلك، تخبرني بأنها تغار منهم أحياناً، لم تحكي لي عن غيرتها تلك كثيراً عندما كنا سوياً، لكنها تقول لي بأنني طيب القلب، أتذكر الأشياء الجيدة فقط، مع الوقت ننسى الذكريات السيئة، ليست حالة دائمة، لكننا ننسى.

تجف أحزاني مع شرابات قدمي المنثورة تحت الشمس، بجانب كل شراب تركت حزنا يثبته، كيلا ياخذه الهواء بعيداً، لم اجد اثقل من حزني ليحرسه، جف هو أيضاً، لكنه ظل ثقيلاً.

اترك الفكة مع الفاتورة وابتسم قائلاً، سأراك قريباً أليس كذلك؟ بالطبع، تجيب وتبتسم بلباقة، تلك الابتسامات التي ترسم حدود كل الأشياء، السفن لا تعبر الصحراء.

لا توجد موسيقى حزينة في النوادي الليلية، انت هنا تدفع لتحصل على السعادة، او ما يبدو لك كأشياء سعيدة، بإمكانك ان تسمع موسيقاك الحزينة في مكبر صوت عربتك، هاتفك، او مسرح الموسيقى غالي الثمن الذي امتلكته في غرفتك مؤخرا