إنها حقيقة جلية أن من يعرف كثيرًا لا يحيط علمًا بكل شئ، وصاحبة فاوستينا المنحوس عرفت الهبوط من القطار في محطة كاكسياس، لكن أين السجن، لا تريد أن تظهر جهلها، فتسير في أي طريق، ربما يكون هنا، نحن في شهر أغسطس، والحر يحرق في هذة الساعة التي تقترب من الساعة التي علمت بها وحفظتها في ذاكرتها باجتهاد، ساعة الزيارة، وحينئذ تحتم عليها سؤال أحد المارة وعرفتا أنهما قد أخطأتا الطريق فعادتا للخلف، يسكنهما الغضب لسيرهما الضال، فخلعت فاوستينا حذاءها، لأن قدميها لم تعتادا على فتحاته، وسارت بجوربين مرقعين، لكن هذا يثير في النفس الألم، وسنكون بلا قلب لو أضحكنا ذلك، إنه خزي يظل يحرق ذاكرتنا ما تبقى في عمرنا، كان الأسفلت لينًا من شدة الحر ومن خطواتها الأولى التصقا به جورباها، وكلما جذبتهما فاوستينا كلما تمط الجوربان، إنها نمرة في سيرك، أفضل ما في الموسم، كفى، كفى، لقد ماتت أم البهلوان في التو، وكل الناس تبكي، والبهلوان لا يثير الضحك، فالحزن يغلفه، هذا هو حالنا ونحن بجوار فاوستينا المنحوس نصنع حجابا لتساعدها صاحبتها على قلع جوربيها، بحياء، فحياء النساء لا يصح لرجل أن يلمسه، والآن تسير حافية القدمين ونعود نحن للبيت، ولو ابتسم أحدنا فهي ابتسامة رقة. لكن عندما تصل فاوستينا للحصن تكون الجروح قد أصابت قدميها، وبالإضافة لذلك سيعاقبونها بلبس الحذاء بلا جوارب، شئ مؤسف سواد الأسفلت ونزيف الدم من الجروح، يا لها من قاسية حياة الفقير.
خرج الزائرون، ومرت الساعة، ولم يأت أحد ليرى جوان المنحوس، يسخر منه زملاؤه، إنها طريقة غبيه لإثبات الرجولة، إنها لا تريد أن تعرف شيئًا عنك. هذا ما لم أكن انتظره، بينما فاوستينا المسكينه تقاتل على الباب من أجل الدخول، أيوجد زوجي هنا؟، تسأل، يسمى جوان المنحوس، فيجيبها حارس البوابة مازحًا، لا يوجد هنا هذا المنحوس الذي تبحثين عنه، ويزيد الآخر سخرية، وماذا كان يرتدي زوجك عندما جاء إلى السجن، إنها طريقة للتسلية، فهؤلاء الحراس يقضون حياة رتيبة، فحتى لا يضربوا السجناء، حراس آخرون يقومون بذلك، لكن فاوستينا المنحوس لا تميز، نعم يا سيد، إنه هنا، لقد أحضرتموه بأنفسكم، فلابد أنه هنا، وكانت في حنق عصفورة، في غضب دجاجة، في هجوم خروف، شئ لا أهمية له، وفي النهاية قلب الرجل صفحات الدفتر وقال معك حق، إنه هنا في زنزانه لكن لا يمكن أن تريه، لقد فاتت ساعة الزيارة. تنفجر فاوستينا المنحوس في البكاء وهي محقة، إنها عمود يتهدم، ونرى كيف تُفتح شقوقه وتتساقط أجزاءه، له قدمان مجروحتان عمود الوسية هذا، الآن يمكنها البكاء لهذا السبب، لكل ما عانته في حياتها ومازال ينتظرها لتعانيه، إنه الوقت المناسب لتذرف كل الدموع، ولتبالغي يا فاوستينا، تفتتي في دموع، ربما بذلك تستطيعين تحريك قلب هؤلاء التنانين الحديدي، وإن كانوا بلا قلب، فمن المحتمل أنهم لا يريدون أن تضايقيهم، ولأنك امرأة مسكينه فلن يطردوك بالركلات، ابكي إذاً، اطلبي رؤيه زوجك، اسكتي مرة واحدة يا امرأة، سنرى إذا كان هناك أي استثناء، هذه لغة لا تفهمها فاوستينا المنحوس، لذا تظن أن هناك سجن يسمى استثناء، لهذا يفتحون لها الباب لترى زوجها. حتى الطرق الخطأ تؤدي للهدف، كل ذلك لن يدوم سوى خمس دقائق، لكنها كافية للتعبير عن حنين جارف، ها هو جوان المنحوس قادم يحمل معه الأمل، ورفاقه يقولون له: لابد أنها زوجتك، وحقا ما قالوا : فاوستينا، جوان، ويتبادلان العناق، وتهرب الدموع من عيني كل منهما، وهو يريد معرفة حال الأولاد، وهي تريد معرفة حاله هو، وفاتت ثلاث دقائق، وهل أنت بصحة جيدة، وأنت كيف حالك، أتعلمين، وكيف حال جراثيندا وأميليا، وأنطونيوا ،أكلكم بخير، لقد أصبحت أكثر نحافة، اهتمي بصحتك ولا تمرضي، خمس دقائق، الوداع. أبلغيهم سلاماتي، سلامات كثيرة، ركزي جيدًا في الطريق حتى تعرفي طريق العودة، أنا أعرف الطريق الآن، لن أتوه، أنا لم أضل طريقي، الوداع.
— جوزيه ساراماغو