مشهد خارجي في النهار..

فنّي شاب يسير في المصنع هائما، نحيفاً جداً، يقف لوهلة أمام مهندساً يبدو أكبر منه سنّاً، يقف أمام سور به ثقب يطل على السماء، مغمضاً عينا وفاتحاً الأخرى، فينتبه الأخير وينظر اليه ملقياً تحية مرتبكة.

*****

منذ سنين، كانت مكتبة المدرسة ذات الرفوف المتربة ملاذي الآمن، ففي الفناء لا يوجد إلاّ صريخاً ولعب كرة قدم لطالما فشلت بها فهماً وممارسة. كنت في تجاربي القليلة ما إن أستلم الكرة أمام المرمى، حتى أفكر في مسئوليتي أمام فريق تعب لكي أصل لتلك النقطة ويحدوه الأمل، فكرة حقيقية تماما وثقيلة وكافية لضياع أي فرصة للتسديد ..

في المكتبة انا لست مسئولاً، تلك الكتب هي المسئولة عن رعايتي، عن هدهدة جفاف أيامي والإمتحانات وقسوة النظام، عن التربيت الليّن على فضول طفولي.

رحلات السندباد، قصة الجزيرة التي أشعل عليها التجَّار ناراً ليقضوا ليلتهم، فأزعجوا الحوت العملاق الذي هو الجزيرة نفسها، بعد أن نمى على ظهره أشجاراً ونخيل، ولطوال عمري بعدها كلما أشعلت ناراً أنتظر لوهلة الزلزال الموعود وغرق الأرض وسط الأمواج بعد غضب الحوت. رحلات ماركوبولو الإيطالي الى الصين، تخيلي لماركوبولو في بهو الأمبراطور الصيني السمين جداً، ولا أعرف لماذا تخيلته كذلك. رحلات جاليفر، في بلاد الأقزام أولاّ، لطالما أثارت في عقلي تساؤلاً، لو كان الأقزام حقيقة هل كانو سيرون موج البحر كما نراه، أسيكون البحر وموجه كائناً هائلاً؟ ألسنا نحن ايضا نراه هائلاً؟

جاليفر في بلاد العمالقة أثاره قبح الوجوه العملاقة وهو يراها عن قرب. ويجب أن أعترف، أني كنت انتهز تلك الفرصة حينما تتفحصين محمولك في التفرس في وجهك وكأني جاليفر الصغير، وأكتشفت أن صفحة وجهك صافية، ولن يلفت أنتباه القزم الا حسنة صغيرة تحت شفتك السفلى، وضعت بقصد وكأنها نقطة توضيح ألوان جانبية على خريطة، تنبه المسافرين الى صفاء الصفحة. ومثلث بداية منبت شعرك، وكأنه خليج بحر أسود، وسنّة أمامية تميل على رفيقتها قليلا بالتراضي.

*****

أجلس في الشرفة وأنا طفل، أمي تعد الغداء، أغمض عينا وأفتح عين، نظري يمر بفتحه صغيرة من سور الشرفة الى أعلى، صدقيني بذلك المنظور سيتأكد لك أن الذي يتحرك هو أنتى وليس السحاب. أكون ساعتها في شرفة طائرة مثل جزر جاليفر الطائرة التي أمتطاها في الرحلة الثالثة، حلم يقظة لطالما أثارني، جزيرة طائرة، أنظر منها لأسفل فأرى أمي تجلس في الشرفة، أشير لها مودعاً ولا تنتبه، وأبتعد. لست مسئولاً عن الإتجاه، الجزيرة مسئولة، ليس في مقدور الأرض بعد الآن تقريعنا بالتململ والقلق، فالكل هائم، أليس ذلك مريحاً!

*****

في العمل كنت اليوم، أركض من جهة لجهة، أفكر أني أؤدي واجبي، أردد في ذهني كلمة (واجب) وألعب بحروفها بهلوانياً في عقلي. أفكر، هل لو كان هذا الركض من عشر سنين كنت سألهث كما ألهث، وماذا بعد ١٠ سنين. أنزل من سلالم المبني، أري فتحة صغير في السلم تطل على السماء، فلا أقاوم، أغمض عينا وأفتح الاخرى مقابل الفتحة، أجّمد السحاب في مكانه وأبدأ الطيران. الى أن أرى أمامي خوذة صفراء كبيرة تستند على كتفين بارزين ويبدو عليها التعجب.
آل تمبلر تأليفي قصص قصيرة تمبلريات قصص عرب تمبلر ادب عربي تمبلر بالعربي تمبلريون أدب الشوارع ادبيات تمبلر كتاباتي نصوص أدبية ادب كتابات عربيه كلمات كتب عربية مصر أدب قراءة عربي قراءات كتب قصة
25 notes
طيور ملونة

“نحن محظوظون”

يشير صديقي الأوروبي بعد قوله تلك الجملة بسبابته الى رأسه، بمعنى أنني مجنون لأني لا أرى تلك الحقيقة. يستفيض في الشرح بأننا هنا نجلس في شرفة تطل على البحر، نتبادل الحديث بلغة وسيطة، نحمل قدرا مشتركاً من المعلومات، ونتبادل الود والآراء!

أفكر، في وقت ما، كان أسلافي يجن جنونهم من مجرد رؤية ملامح عدوة تشبه ملامحه القوقازية، ذلك الأنف الحاد والعيون الزرقاء العميقة، وأسلافه قد يقفزون تحفزاً إن سمعوا مني كلمة يعرفونها من قبل من تجار عرب. يستطرد صديقي “ كان ماضي في معظمه أسود يا صديقي”

******

في أرض واسعة صفراء، منذ سنين، أمام باب المنزل الأخضر، من طابق واحد، ألعب وأنا طفل، وعيني على الغروب من وراء الجبل البعيد. أبي الذي كان يعمل في الخليج في قرية في الأطراف الصحراوية، يعد الآن شاياً على الفحم أمام المنزل ككل يوم، وينتظر عم حسن جارنا بعد أن ينتهي من غسيل سيارته ككل يوم أيضاً. أقول “أبي…أنظر” وأشير الى طائر ملوّن غريب، يرد قائلاً أن زملائه في العمل رأوا مثله البارحة، يقولون أنها طيور مهاجرة لأوروبا، أقول أنها جميلة جداً، يتوقف عم حسن عن مسح سقف السيارة المجهد من فرط الغسيل لوهلة، ناظرأ اليّ، مبتسماً بحنو “ما يذهب لأوروبا يجب أن يكون ملوناً يا حبيبي”

******

جدي كان يرى الأوروبيين آلهة، علّموه كل شئ في الشركة التي عمل بها من قبل الثورة. أما أبي فمثل جيله، يعيش مرحلة ما بعد لكمة ٦٧، الغرب عدو حتى ولو حسن مظهره. أما أنا، فأراهم أنداداً لي تماماً، وأن كثيرا منهم يتمتعون بصَرح لا يستحقوه من تركة أجداد عظام. وأشعر بالمرارة لذلك على الدوام.

*******

خضنا ثورة توقاً للحرية، وبعدها رأيت الناس يختارون من يكره فكرة الحرية نفسها..

أحلم بيوم يعصف الشك المنهجي بعقول الناس، فتتقد الأذهان ويتعقّل التدين، وأخاف مع ذلك من فقدان رادع عند الجوعى، فهم سيأكلوننا أحياء عند هدم الحائط..

أرى المهاجرين من بلداننا، يحملون نفس ملامحنا، يلقون أنفسهم على أي شاطئ، أطالب الغربي بفتح ذراعيه تارة، وتارة أتردد عندما أرى كراهية وغدر يلوحون في عيون مهاجرينا تشرّبوها في خطاباتنا الدينية..

ما الصواب؟ ما الموقف الأصوب؟

صديقي، هذا العصر صعب، أنت في زمن آخر، وتخوض مسائل أسهل، وتصادف لقائنا في نقطة نادرة، أنا في منطقة أخرى تعيش في زمن آخر، نستدعي الأمجاد ونصلي في المحراب وننتظر بغضب نصراً بشر به العرّافون ولا يأتي. أنا لا أعرف شيئا، أسلافي وأسلافك تقاتلوا، كل طرف يرى الجنّة في الموت، والخير في النصر، أما أنا فلا أرى شيئا، ولا تشير بيدك لكي أفكر.. فقد فكرت طويلاً!