قالوا له: عليكَ المغادة في غضون أيام،.. عليه مغادرة الحي الذي وُلد فيه.. الحيّ الذي شهد أولى خطواته... ليس هو فحسب بل أجداده، أولاده وأحفاده أيضاً...
منذ ذاك اليوم الذي سمع فيه الخبر، راح يمشي في الحي طوال اليوم مُتجاهلاً القصف والبراميل،.. القنّاص والقاتل المأجور عل بُعد حارةٍ وذكرى!...
يمشي كأنه يهذي... يترجّاه أحفاده أن ياخذه معهم (ليودّعوا الحارة) لكنه ينهرهم قائلاً أنه لا داعي للوداع سيعودون حتماً بعد وقت قصير!...
كل مرة على عتبة الباب يودّع الجميع (تحسُّباً فحسب) على حد قوله!.. ويمشي متعكّزاً على حبٍ لا ينفكّ يؤرِّق صَحْوه ومنامه..دائماً يبدأ صباحه من القسم المدمر من الحي.. يُحادث الحجارة،.. حَجَراً حجراً.. يمسحها بكفيه اللتَين هدّهما القصف.. يُحاول بناء بيتٍ صغير بدل الذي تدمّر.. ومن النوافذ التي أمست مفتوحة دائماً يُطل على المنازل التي اعتاد زيارتها.. يذكر أيامه هناك.. يُلقي التحية على أهلها الذين رحلوا ولم يبقَ لديه من طريقة للتواصل معهم سوى نافذة!.. يذرف الدمع،.. لكنه هذه المرة لا يَهُمُّ بمسحه مُسرِعاً خجِلاً.. يريد اليوم أن يعيش ضعفه كاملاً حتى آخر قطرة!. يريد اليوم أن يتصارح مع حبه واشتياقه لكل شيء.. اليوم ينزع عن كاهله ثوب القوة والبأس؛ فيشعر أن كتفَيه ازدادا انحناءً! لكنه لا يأبه لذلك فهو يعرف أن كل الدمار حوله.. كل الذين رحلوا.. كل غبار المدافع.. وكل دموع الباكين اتخذت من كتفَيه موطِناً!..
سألته لمَ يبدأ صباحه بزيارة الخَراب؟.. لكنه عجب من توصيفي للمكان!.. يقول أن هذا المكان بالنسبة لهم هو قطعةٌ من الجنة؛.. فهناك ارتقى الآلاف شهداء.. هُناك يشتمّ رائحة الطُّهر التي سيُهلكه الحنين إليها في بلدان اللجوء...لذا فهو يبدأ يومه بتنشُّق الجنة!، ويختمه بما تبقّى من حياةٍ في الحي.. مُطمئناً كل قطة أنْ لا تخاف.. مُتوسِلاً لكل شجرة أن لا تنحني.. وهامِساً لكل عصفور أن لا يكفَّ عن الغناء!..

syria, سوريا, and freedom image

#Alloshyat