⁃ راحيل هل انت مستعدة ؟
⁃ حان دوري ؟
⁃ اجل ، انت التالية ...
⁃ حسنا
دخلت وقد عم السكوت ، خلافا لاغلب المتبارين ، لم احس قط بشيء يسمونه الارتباك علما انها اول مرة لي في مكان كهذا ... اخذت اتامل المكان بكل ثقة في النفس ... فجأة سعل احد الحكام ، ذاك السعال الذي يعني بطريقة مباشرة فلتبدئي !
⁃ مرحبا ، ادعى راحيل ، فتاة عربية الجنسية
⁃ قال احدهم : هل انت مسلمة ؟
⁃ عادة لا ارتدي الحجاب ، لكني فعلت اليوم فقط لاظهار اعتزازي بكوني كذلك
⁃ قال اخر : كلامك فيه من الثقة ما فيه من التحدي
⁃ اهو كذلك ؟
كان عددهم قرابة الخمسة ، نظراتهم كانت بحدة سكاكين المطبخ ، كلها تعرب عن عدم تقبلهم لذلك ، كأن المسلمين خلقوا كي يكونوا اقل شأنا من الاخرين ... يعكس مظهرهم سمو افكارهم ، ولعلهم يزعمون ذلك فقط ... اتذكر اني رأيت واحدا فيهم في برنامج تلفزيوني ، لا علاقة له بالعلوم ابدا ، يقول ان الشخص لا يجب ان يعمم ما يراه منعكسا في شخص واحد فقط ... ما ذنب اولئك المسلمين اذا ، الذين لم يقتلوا ، لم يسرقوا ... الذين لم يفعلوا شيئا سوى المشاهدة دون انين ، الذين ابوا الاحتجاج وتركوا مهمة الكلام لصمتهم ؟
⁃ رد من سألني عن ديني : اهو عن قناعة ام ارضاءا لوالديك ؟
احسست وقتها بطعنة في القلب تهيج مشاعري الجياشة التي اغلقت عليها خلف جدار سميك والتي كادت تخترقه لولا نظرات احد الحكام ، كان يلتزم الصمت بكل سكينة وهدوء .
⁃ اعتقد ان سجلي بين يديكم جميعا ، اني فقدت والدي وانا بالكاد فتاة الخمس سنين لا افقه شيئا عن مدى سواد الخارج ، كأي طفل يحس بالسكينة ويعتبر والدين مصدر امان له . لعل اعظم نعمة مُنِحْتُ اني ولدت مسلمة بالفطرة ، ابا عن جد ، و وطدت علاقتي بديني فيما بعد بشيء من البحث عن ما سأصدق ... ام اني احتاج الى اقناعك بمدى عمق رابطتنا ؟

⁃ رد نفس الشخص ، دعيني اسألك قبلها
⁃ تفضل ؟
⁃ الا تضنين انه كان عليك ارتداء ما تدعونه خمارا او شيء كذلك ؟
بعض البشر خلق ليستفز ، يعتقدون انهم اعلى شأنا بكثير منك ، ان وجودهم هو كل ما يهم ، لانهم شهروا غالبا بسرقة اعمال الاخرين ، فهذا الشخص بالضبط ، قبل حوالي العشرين ربيعا ، حصل على دعوة محكمة من احدى الامهات التي تشتكي من اختفاء ولدها ، والتي عثرت عليه مقتولا في مكان ما فيما بعد ، زاعمة ان المجرم هو هذا الشخص ، من سرق موضوع بحثه ... تبخر هذا الخبر كما تبخرت هي من الوجود بعد بضع ساعات او دقائق ، فالمال دائما يحل المشاكل ... تذكرت المسكينة ، اتساءل اذا ما كانت قد التحقت بطفلها و قابلته وراء السماء ...
⁃ حياة لا حياة فيها اسوأ من الموت نفسه
⁃ ماذا ؟
⁃ اه لاشيء ، اعتقد اني كنت فقط افكر بصوت عال ... اعتقد كذلك اني اخبرتكم بالفعل حين دخولي اني ارتديت ما ترون على رأسي فقط تحديا للآخرين وتحديا لنفسي ، ولعله افتخارا ايضا بديانتي و فرضا لوجودي ... لا ارتديه عادة ، اجبت على السؤال اليس كذلك ؟
⁃ اجل
⁃ هل لي ان اطرح سؤالا ؟
⁃ نحن من نسأل هنا ، لا انت
احسست برغبة في صفعه ، وقد بدا لي في وجهه كل شخص متعجرف اعرفه ، كل شخص ارغمني صبري على السكوت لا هربا من مواجهته بل ترسيخا لوجودي الذي لن ينساه احد منهم ... تكلم حينها ذاك الشخص الصامت الذي احسست بطريقة ما انه في صفي ، ويبدو انني لم اكن الوحيدة التي اندهشت ، بل بدى ذلك على كل الوجوه الحاضرة
⁃ تفضلي انستي ، اسألي كما تشائين
لوهلة نسيت سؤالي و تذكرت احدى المقولات : your energy introduces you before you even talk
⁃ لماذا تسألونني هذه الاسئلة ؟ تقدمت بطلب لمعهد علوم على حد علمي ؟ الن يسألني احدكم عن ما اعلم ؟
⁃ اجاب احدهم : ماذا ؟ عن اي علوم تتحدثين ؟ هذا جناح الدراسات والابحاث الدينية !!
⁃ مهلا مهلا لحظة ! لا يمكن !! لكن ماذا يفعل ذاك الشخص هنا ؟ الذي كان يسألني بطريقة مستفزة ؟
علمت انه لا رغبةعندي لولوج شيء مثل ذلك ، وانني قد اخطأت في شيء ما ، ولا ريب في ذلك ، لذا قررت ان لا اصمت ، لانه ليس لي شيء اخسره بعد الان ، فلا القبول يهمني ولا هذه الشعبة بحد ذاتها !
⁃ كيف تسألينني عما افعل ؟ الا يبدو اني احد الحكام ؟
⁃ لكنك عالم على حد علمي ، عالم فيزياء لطالما وجدت اسمه في اغلب الكتب !
⁃ اجاب اخر : لكنه ليس معروفا الى هذه الدرجة ، وانا نفسي اطرح هذا السؤال ولا اتوصل لاجابة مهما فعلت
⁃ اجابه : كيف تجرؤ ؟ انا مشهور اكثر منك على الاقل ، ثم لا شغل لعالم دين بهذه الامور !
كسرت الشجار قائلة : مهلا مهلا دعونا من هذا ، ما رأيكم بمنحي اجابة قبل ان اذهب ؟
تكلم احدهم قائلا :
⁃ لقد كانت تلك رغبة المدير ، لا نعلم ما الغاية منها ابدا ، اراد ان يكون هناك عالم احياء ، عالم فيزياء ، عالم دين ثم عالم نفس و استاذ فلسفة و لا احد يدري لماذا
تساءلت في نفسي لم استاذ فلسفة عادي بين مجموعة من العلماء حينها ... اندفعت قائلة :
⁃ استطيع معرفة السبب صدقوني ، احتاج فقط الحديث مع هذا المدير !
⁃ وكأننا نستطيع الوصول اليه ! لقد تغير المدير بعد وفاة السابق ، اخبرنا انه يريد تغيير كل شيء ، احترمنا رغبته و اتبعنا اوامره وهذا كل ما نعرف ، مديرنا يرفض الظهور قبل انتهاء كل هذا
⁃ سؤال اخر قبل الرحيل ، ما علاقة هذا بالعلوم ، لانني حقا اتذكر تقدمي الى مركب خاص بالابحاث المتقدمة !
⁃ اتذكر ان هناك شيء كذلك في الجهة المقابلة لهذه ، يبدو انك ضللت المكان و دخلت الى هنا بالغلط ، فالبنايات الخاصة بهذا المركب متشابهة جدا ...
احسست وقتها بسكتتة قلبية ، مستقبل ما فتئت احلم به عاد محض ذكريات انضافت الى سرب الاحلام التي خلقت لتكون احلاما والتي لن تتحقق مهما تطلب منك الامر لتحقيقها ... راضية بقدري ، انصرفت بكل اسى مودعة اياهم . تكلم الشخص الصامت قائلا
⁃ انسة راحيل ، كانت محادثة رائعة ، يسعدني اننا استضفنا شخصا بمثل هالتك اليوم ، واصلي كونك الشخص الذي هو انت ، شكرا على ما فعلت !
كان ذلك قبل اغلاقي للباب ، احسست بدفعة موجبة تجرني من سرداب الكآبة الذي اوشكت دخولة تأبينا لذاك الحلم المسكين ، مسحت تلك الكلمات كل ما بقي من استياء قد خيم علي ، لمحت ابتسامته الملائكية وبادلته الابتسامة نفسها ، توجهت الى السلم مودعة ذاك المكان
You never know the last time you see a place , nor a person ...
كنت انظر الى السماء وقتها ، اضحك على نفسي ، فقط بالصبح احسست بانفاع يقتلني ، برغبة في انهاء هذا اليوم ، وكلي ثقة اني سأنجح لا ريب ... كانت المبارات كلها لانتقاء شخص واحد في الاخير ... بين آلاف الاشخاص ، فقط شخص واحد سيكون مؤهلا لتلقي الدعم اللامنهتي لابراز نظرياته ... للعمل جنبا الى جنب مع اكبر العلماء ، ليصبح ربما واحدا منهم في المستقبل ، وما اجمل ذاك الاحساس ، عندما تتخيل ان الموت لن تقتلع وجودك ، بل انك ستنتقل من الوجود الى الخلود عندما ترسخ اسمك في مكان ما ... وصلت الى السيارة ... نزعت الحجاب الذي كنت ارتدي وبدأت اعاتبه : انت السبب فيما حصل لي ! بسببك ذهبت الى المرآة لاجعلك تبدو جيدا علي ، وهكذا تعاقبني ؟ لو كنت شيئا اخر لرميتك ، لكني لا استطيع ان اساعد ... احبك مقدار حبي لديني ... لعل اللوم يقعل علي ، ربما لن الومك بعد الان اذا ...

غادرت المكان دافنة معه كل ذكرياته ... وانطلقت الى لا مكان ، اردت فقط يومها ان احس بنفسي حية رغم اني تمنيت من اعماق قلبي ان اكون في حلم ، ان يوقضني احدهم منه ، ان يخبرني احدهم انها كانت خدعة فحسب ، لكن جميلتنا ( الحياة ) لا تقبل المزاح ... كان على ان اتقبل الحقيقة ...