أجلس بفناء دارنا..أسترق النظرات من خلال حاجز القصب الفاصل بيني و بين العالم الذي أجهضني , أرمي النظرات على المارين، أحسدهم على حريتهم ... بأقصى الرصيف صبية يلعبون بالحصى، لا هم يلهيهم، سوى ضحكة تعلو محياهم. و بقبالة دارنا.. المقهى العتيق، مقهى عمي بوجمعة..قد أصبح مجرد أنقاض من الذكريات التي تحتضر.. أميل بنظري إتجاهه فتتملكني نوستالجيا الصغر، هذا الشارع كان مملكته, بذلك الكرسي الأزرق اعتاد أن يجلس على عرش الكبرياء، لوهلة يمر به النادل , فيطلب قهوة, كان يفضل القهوة من دون سكر، مرة، شبيهة بايامي لحد كبير, بعد رشفة و ثانية و ثالثة، يمد يده بجيب معطفه البني المرقع, يخرج علبة الدخان كالعادة, يضع سيجارة بفمه, و يبتسم, لأنه كان على علم أني كنت دائما أراقبه من وراء حاجز القصب : يشعلها , و يأخذ بقلم وورقة, يكتب شيء ما, ثم يطلب من مرسوله الغلام علي أن يدسها بين عيدان القصب , يفعل علي ويرجع مهرولا ليجزيه بـ بضع دنانير كالعادة, كانت تلك الدنانير بوقتها مبلغ لا يستهان به, يمكن لعلي أن يشتري بها نعلا جديدا , من أحسن ما صنع بأدرار وبفحوى الرسالة..“ لا تلوميني،أرجوك , لا أتخيلني ارتشف قهوتي بدونها , أدمنتها كما أدمنتك و ختم الأمر“

__حاجز القصب