الحادي عشر من مارس كان اليوم الذي قرر لعرسي.. بعيد بيومان فقط، الكل بشغله، أمي تصرخ من غرفة المعيشة :اين الأفرشة يا فاتن؟. خالاتي يتضاحكن عن شيء ما.. و الأطفال بالفناء يثيرون نقع الغبار لعبا، إلا هي.. هي فقط من كانت منزوية تعترش كرسيها المتحرك بمكان قرب حاجز القصب المهترئ… دنوت منها. أناديها باسمها.. :مساء الخير يا جدة ام الخير، لكنها كانت سارحة بخيالها على أن ترد قولا، فأناديها مرة أخرى، اذ تلتفت ببطيء و بسمة تعانق شفتيها المجعدتين.. مساء النور يا فاتن، كانت تشدني اليها؛ طاعنة بالسن، و لم تعقد قران ولو مرة بحياتها، ربما لإعاقتها،..اتدارك قولي فاستطرد؛ يا لسخفي.. هذا ليس بالسبب الجليل، … أجلسي يا فاتن،قالت بصوت دافئ حانٍ، جلست بقربها، ما قصتك يا جدة أم الخير، لا أقصد التطفل، لكني طالما رأيتك قرب حاجز القصب هذا، تحدقين به، كما لو أنه جزء منك، .. ابتسمت و تنهدت ثم تنهدت و تنهدت، اقتربي يا صغيرتي، ادني من عيدان القصب، و اخبريني ماذا ترين، استغربت لوهلة، دنوت و فعلت، : أرى غلمان يلعبون نرداً قرب المقهى العتيق، فخاطبتني ودمع العين يسبقها، المقهى العتيق قصتي يا صغيرتي، مازال يشد روحي اليه بعد كل تلك السنين الطويلة..
كنت كأنثى الغراب,نذيرة شؤم، أتجنب النظرات الجافة المرسلة غيضا من أهلي , لا يكلمني أحدهم , حتى أصغر أخوتي مجيد, يتوارى عني كلما صادفني , و أما أكبرهم ما عساني أقول: محظوظة أنه لم يذبحني يومها, فبالرغم من خرائط الندوب التي تركها بجسمي , في كل مرة يرمقني بنظرات السخط، كأننا لم ننبثق من نفس الرحم، صرت بمثابة العدو الجائر، لقيطة الظروف، معاقة الرجلين.
أجلس بفناء دارنا..أسترق النظرات من خلال حاجز القصب الفاصل بيني و بين العالم الذي أجهضني , أرمي النظرات على المارين، أحسدهم على حريتهم، بأقصى الرصيف صبية يلعبون بالحصى، لا هم يلهيهم، سوى ضحكة تعلو محياهم. و بقبالة دارنا المقهى العتيق، مقهى عمي بوجمعة..قد أصبح مجرد أنقاض من الذكريات التي تحتضرأميل بنظري إتجاهه فتتملكني نوستالجيا الصغر، هذا الشارع كان مملكته, بذلك الكرسي الأزرق اعتاد أن يجلس على عرش الكبرياء، لوهلة يمر به النادل , فيطلب قهوة, كان يفضل القهوة من دون سكر، مرة، شبيهة بايامي لحد كبير, بعد رشفة و ثانية و ثالثة، يمد يده بجيب معطفه البني المرقع, يخرج علبة الدخان كالعادة, يضع سيجارة بفمه, و يبتسم, لأنه كان على علم أني كنت دائما أراقبه من وراء حاجز القصب : يشعلها , و يأخذ بقلم وورقة, يكتب شيء ما, ثم يطلب من مرسوله الغلام علي أن يدسها بين عيدان القصب , يفعل علي ويرجع مهرولا ليجزيه بـ بضع دنانير كالعادة, كانت تلك الدنانير بوقتها مبلغ لا يستهان به, يمكن لعلي أن يشتري بها نعلا جديدا , من أحسن ما صنع بأدرار وبفحوى الرسالة..“ لا تلوميني،أرجوك , لا أتخيلني ارتشف قهوتي بدونها , أدمنتها كما أدمنتك و ختم الأمر, سأسافر للسودان قريبا , وجدت مصدر رزق لي هناك, أغيب لثلاثة أشهر فقط, حين أعود سيكون باب بيتكم قبلتي.” هكذا كان يخط روتيني كل يوم أراه, فيطلب قهوة, يشعل سيجارته على مهل, يرسل رسالة و يرحل… اراقبه و هو يتلاشي من بين ناظري.. كان خوفي كله أن يكون مجرد عابر مقهى أكثر من كونه شخص مهم فعلا.. ظني أحيانا يروادني بغتة, كالضيف الثقيل يحشر نفسه داخل عقلي , يهمسني مؤنبا… لكني يا ظن تهت بالتفاصيل ,ولا مرد من ذلك ‏"إن التفاصيل تقتلني!قالها بوكوفسكي قبيل مماته‏" , ,أرجع إلى غرفتي , ,محاصرة خلف نافذتي المهشمة أعزل نفسي , حتى تناديني أمي لقضاء بعض الأشغال

, ..
يطرق الباب طرقا خفيفا… لا يشدني الأمر فليس من العادة أن تفتح الباب أنثى بدارنا هذه :
, حسين …..يا حسين.. شخص ما ينادي من وراء الباب
ينزل حسين من فوق الأسطح يتمايل , : ماذا تفعيلن قرب الباب, ادخلي قامت قيامتك …..
قادم أنا يا عمر ,
** عمر , نادل المقهى *
دخلت من فوري..حبست نفسي بغرفتي كي اشغل نفسي بحياكة شيء ما ..كانت الحياكة مملت بعض الشيء
احتجت لمحفز, فأدرت الراديو, كنت الوحيدة بالقرية من تملك راديو ,أتاني به أبي عند حجه لأرض الحرمين, كان لدي شريط واحد لعبد الحليم, * قارئة الفنجان* , أحببت الأغنية , و كأنها تتحدث عنه , مليئة بالحزن و الشجن . ما كدت أنتشي بوقتي هذا حتى بحسن يركل الباب أين أنت اخرجي يا خبيثة , أخرجي و إلا حطمت الباب على مصرعيه ,
مشوشة أنا … ماذا هناك ؟ لما تراه يصرخ ؟ .. قمت بأشعالي كلها …
قمت ففتحت الباب . وهنا يا صغيرتي قدر لمصري أن يكتب من جديد , لأنه ما أن مسكت المقبض و سحبت الباب بتأني .. شجت رأسي عصى , و زارت كل عضو مني, حتى استقرت بساقاي لبعض دقاائق , و استمرت تنهشني
ضربا حتى فقدت الوعي..
كنت قد رميت بركن ما من أركان المزل لكي أتعفن بصمت مرتفع , , أمي تعالج الكسور بساقاي , فيما يناقش حسين و أولاد عمي مصيره , لم يكن له ذنب سوى أنه أحبني حبا عفيفا, حب خلف حاجز القصب لا أدري ماذا حدث بعد ,
, ذلك , أذكر أن ذلك كان آخر يوم ألمح فيه السماء, كانت ملثمة بالغيوم على غير العادة , و كأنها أحست بحزني فذرفت دمعا,
مرت أيام عديدة , وقد صاحبت الجدار فأمسى خليلي , أسامره و يسامرني , أكتب على أطرافه كلمات لا معنى لها ,
حاولت أن ابكي مرارا , لكن أبت عيناي , لم يتبق دمعا كافيا لذلك
إلى ان
أمسكت قطع الورق التي جمعتنا لأيام , ضحكت حينها , فقد كان نثرك لا يخلو من الأخطاء اللغوية , و أسلوبك رديء للغاية, كنت ترقع الكلمات , كالرقع بمعطفك , لست أدري لما لم ألحظ هذا من قبل , مررت أصابعي على ما أرخ بخط يدك , وشممت رائحة الحبر الجاف , رغم قدمه , حين ابتل بدمع رثائي فاضت زرقته على بقية الكلمات ساحبة اياها للخاتمة , لم انبس بشئ سوى اني نحت لدقائق يسيرة و , أطلت النظر بآجر جملك , **اذا ما أبعدت عني , شدني إاليك ***, كانت بداخلي حرب صماء , لا يسمع وغاها أحد سواي , كنت قيد التلاشي بحق
ماكان أسمه ؟
عبد الوهاب

#قصة
#قصة قصيرة